سنة تحضيرية من جديد

كتبت في شهر نوفمبر 2018 :

لطالما تمنيت أن أدرس اللغة الانجليزية كتخصص وبالتحديد مسار الترجمة. وأعتقد بأن لكل منّا أمنياته التي اقتنع باستحالة أو صعوبة تحقيقها، بالرغم من ذلك تبقى عالقة في أذهاننا ونرددها كإجابة أولية إذا ما سؤلنا عن أمنياتنا. ربما نسبقها بجملة: أمنية سابقة. هذا ما كنت أفعله مع دراسة الترجمة. بعد تخرجي من قسم الفيزياء بدأت في فترات متباعدة أبحث عن إمكانية دراسة بكالوريوس آخر -انتظام- في جامعة الملك عبدالعزيز ومؤخرًا في جامعة جدة لكن دائمًا كانت الشروط لا تنطبق فهي تخص خريجي الثانوية، كنت أتمنى دراسة الترجمة بشكل أكاديمي. حاولت جديَا أن أتقدم لجامعة الملك عبدالعزيز فظهرت لي رسالة بأن السجل المدني المدخل مسجل سابقًا. إذن لا توجد فرصة لذلك حتى ظهرت فكرة الدراسة في الجامعة الإلكترونية السعودية فكانت المنقذ الرهيب! شروطها مرنة والتخصص متاح. في البداية قدمت طلب التحاق سنة 1438-1439 لكن وبشكل مفاجئ في منتصف التسجيل شعرت بخيبة عميقة لا أعرف سببها حتى الآن، أتذكر جيدًا أني أغلقت اللابتوب دون تسجيل خروج من الموقع أو أي شيء آخر. فقط قررت وبشكل مفاجئ إيقاف محاولة التسجيل هذه.

تلك اللحظة لاحقًا أصبحت وقودي، أخذت أتردد كثيرًا على موقع الجامعة، أقرأ خطة تخصص اللغة الانجليزية والترجمة وأبحث عن شروح بسيطة حول كل مقرر. تعلقت بالتخصص جدًا ومع كل بحث جديد أو زيارة أخرى لموقع ومقررات القسم يزداد تعلقي أكثر.

كنت أنتظر انتهاء ذلك العام الدراسي 1438-1439 حتى تأتي عطلة نهاية العام ومن ثم يبدأ التقديم من جديد في الجامعة لعام 1439-1440، طلب التسجيل الذي سأكمله هذه المرة.

الشروط بسيطة جدًا: شهادة ثانوية عامة هذا كل ما في الأمر! قدمت وانتهيت. عادت لي لحظات التقديم لجامعة الملك عبدالعزيز عام 2010 ولكن شعوري هذه المرة أخف بكثير، لا يوجد ذلك القلق الذي لازمني تلك الفترة ولا شعوري المثقل، أكرر كتابتي للشعور لأنه أول  ما يعود إليّ من تلك الذكريات. التقديم للجامعة واختيار الفرع والتخصص والانتظار والترقب، تجربة مشابهة ومختلفة في الوقت نفسه.أن أعيد كل شيء ولكن بطرق جديدة.

كتبت في سبتمبر 2018 وكان جزءًا من رسالة:

لعل أبرز ما حدث أني قبلت في الجامعة الالكترونية لدراسة اللغة الانجليزية والترجمة. مضى الآن شهرًا كاملًا وأنا أركض بين دورين متضادين أو هكذا أراهما. في الأول معلمة وفي الثاني أكون تماما في الجهة المقابلة، طالبة.
‏حتى الآن التجربة كاملة تبدو غريبة، تشبه شعور مراقبة حياة شخص آخر أو بشعور يشبه الحلم كما لو أنني لا أصدق ما أعيشه! أقف للحظات وأنا في الجامعة أراقب ما حولي لأتأكد أن هذا واقع جديد سيرافقني لسنوات.

‏خلال الشهر هذا لم أكتب يومياتي وهذا أكثر ما أحتاجه، لكن دوامة الانشغال التي وجدتني داخلها لم تترك أي فرصة للخروج منها. ما زلت أدرّس العلوم لصفين بالمدرسة، منهجين من مرحلتين مختلفة.
‏بالنسبة لدوام الجامعة فهو منقسم، يوم واحد في الاسبوع لابد من الحضور إلى الجامعة وهو إلزامي واخترته في فترة مسائية. يوم الثلاثاء يبدأ الداوم عند الثالثة مساء وحتى التاسعة. يكون هذا بعد خروجي من المدرسة مباشرة إذ ينتهي دوامي كل يوم الساعة 2:40. غالبًا ما أتاخر عشر دقائق على محاضرتي الأولى.
‏يوم الثلاثاء يكون الوضع قاتل خروج واحد من المنزل منذ الساعة السادسة والنصف صباحًا لتكون العودة حوالي الساعة التاسعة ونصف مساء. ولا ينتهي هنا ليأتي القسم الآخر فطوال الاسبوع تكون لدي محاضرات افتراضية من المنزل ولها حضور وحرمان مثلها مثل الذهاب للجامعة. لطبيعة الدراسة المختلفة لا أعلم لم كنت أتوقع بأن الدراسة بها ستكون سهلة أو غير قوية! وجدت أنها العكس تمامًا.
‏رغم كل ما سبق إلا أنها حتى الآن تجربة تستحق وعندما أفتكر بأني أخيرًا بإذن الله سأتمكن من دراسة الترجمة تهون كل الصعاب.
‏انعكس كل هذا على قراءتي وكتابتي ليومياتي. لم أعد أقرأ كما كنت ومهما حاولت لا يكون لدي ذات التركيز السابق، ويومياتي لا أعلم حتى الآن لماذا توقفت؟ كل ما أعمله أنه توقف مؤقت. أعتقد بأني مجرد أن أنتهي من كتابة هذه الرسالة سأبدأ بتدوينها حتى لو بشكل عام حول الشهر المنصرم.

والآن أكتب في مايو 2019:

أكتب وقد أنهيت السنة التحضيرية والحمدلله، فقط في آخر أسبوع من السنة الدراسية شعرت أنها مرت بسرعة. كانت تجربة مختلفة بالنسبة لي والسبب الأول يعود إلى أنها تجربة مكررة بطريقة ما. فالمقارنة كانت قائمة بين تجربة التحضيرية 2010/2011 والآن 2018/2019. طبيعة الدراسة مختلفة فنظام الدراسة تعليم مدمج 50% حضور للجامعة وتكون المحاضرات في يوم واخترت الفترة المسائية و50% افتراضي محاضرات اونلاين.

بالحديث عن مواد المستوى الأول كانت: Math- English- communication skills

أفضلهم بالنسبة لي كان مقرر الرياضيات، لأنه رياضيات الجبر وهو فرع جميل والمقرر بشكل عام كان بسيط لكن مشكلته تكمن في الواجبات! يا إلهي تبدو غير نهائية >_< كثيرة جدًا ومقسمة لواجبات واختبار. تضاف في صفحة المادة بشكل أسبوعي، مجموع الأسئلة قد يصل إلى 80 سؤال قد يزيد أو يقل بقليل. لا يسعك أن تنتهي من واجبات الأسبوع الماضي حتى تستقبلك أسئلة الأسبوع التالي. ومهارات التواصل كانت مادة سهلة لكنها مملة مملة مملة لدرجة لا يمكن وصفها.

أما اللغة الإنجليزية فأمرها كان مختلفًا بعض الشيء إذ أنها لا تقتصر على كونها مادة دراسية ولكنها شرط أساسي لاجتياز السنة التحضيرية ومن ثم القدرة على التخصص لاحقًا. وضعت الجامعة الحصول على درجة 83 في اختبار ستيب لمعادلة المقرر بشكل نهائي في السنة كاملة. أو بحسبة أخرى لمن يحصل على 60 أن يدرس المقرر في المستويين الأول والثاني حتى يكمل شرط الـ83. وهي هاجس يطارد طلاب الجامعة إذ من لا يحصل على الدرجة لا يستطيع التخصص ومن ثم يطوى قيده! وللأسف كثر هم من حدث لهم ذلك.

في البداية، كان لدي خيار أن أختبر ستيب وأرى الدرجة التي أحصل عليها فربما أعادل المادة وأنتهي منها! لكن دفرنة مني قلت وبما أني سأتخصص الترجمة لم لا أدرس اللغة في السنة كاملة لأستفيد ثم في الربع الأخير أختبر وأحصل على الدرجة وأنتهي؟ وفعلًا بدأت بتنفيذ الخطة لكني وجدت أن الوضع خنقة واجبات كثيرة ووقت المحاضرات طويل جدًا. انتهى وقت معادلة المقرر وخلال هذه الفترة كان يمكنني إعادة رسوم المادة وهي الأعلى في السنة كاملة.

بعد سلسلة تأجيلات لأني كنت خائفة من عدم حصولي على الدرجة. اختبرت ستيب والحمدلله عادلت مقرر اللغة الإنجليزية في الربع الأول من السنة مع خسارة مبلغ ساعات المقرر *ذكاء فطحلي*

انتهى المستوى الأول وإلى المستوى الثاني الذي كان يزيد اختلافًا عن سابقه.

مواد المستوى: English- computer skills -Academic skills

اللغة الإنجليزية تمت معادلتها، الحاسب قدمت طلب معادلة لأني درسته سابقًا في جامعة الملك عبدالعزيز، لم يتبقى لي سوى المادة التعيسة المهارات الأكاديمية. أذهب إلى الجامعة لمحاضرة واحدة، الحافز الوحيد للذهاب هو كمية الضحك التي كانت تحدث أثناء المحاضرة.

أخيرًا، انتهت السنة التحضيرية بكل ما فيها، في أوقات كثيرة كانت الرحلة شاقة ومرهقة على الجانب النفسي والجسدي. كنت أشعر بأني في مضمار سباق ويلزمني الركض دومًا وفي كل الاتجاهات. لابد من إعطاء كل ذي حق حقه بين العائلة، الصديقات، المدرسة ، الجامعة ومشاعل ☹ أن أحافظ على روتيني: أقرأ، أكتب، أشاهد، أخرج… دون تقصير كانت الفكرة بحد ذاتها مرهقة. ترتيب الأولويات كان وسيبقى أمرًا شاقًا فما أجمل تتبع السهل والممتع على الضروري. الآن بعد أن تجاوزت كل تلك الأسابيع، ممتنة لخوض هذه التجربة وسأبقى أتحدث عنها بزهو وحنين<؟

ملاحظات خاطفة:

  1. دراسة بكالوريوس ثاني كانت فكرة غير مقبولة عند أغلب من أخبرهم، فتحت ملاحظة في جوالي أسجل فيها عدد الذين قالوا لي: بكالوريوس يا مشاعل وانت معك؟ ليش مو ماجستير؟ ايش تستفيدي؟
  2. العودة للاختبارات، لطقس المذاكرة والمراجعة والبحث عن نماذج السنوات الماضية.
  3. شعوري بعد كل كويز واختبار وانتظار رصد الدرجات وحساب المعدل التراكمي. أهون بكثير من عام 2011.
  4. سنة كاملة لم أطبع خلالها أي مقرر سوى محاضرات الرياضيات وهذا يعتبر تحديث جديد لمشاعل.
  5. ازداد تمسكي بفعل كل ما أريد لكن بصمت وهدوء.
  6. هذه إضافية لأني ما أحب أوقف عند الرقم 5.
Advertisements

دفعة الهنا

بما أننا في الأسبوع الرابع عشر من الفصل الدراسي الثاني لعام 1440هـ، وقد انهيت ولله الحمد، منهج العلوم لكل من الصفي الرابع والثاني متوسط. وبعد سنة دراسية كاملة.. يمكنني القول عنهما: دفعة الهنا!

كن طالبات رائعات بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وعلى جميع الأصعدة: مستوى دراسي، اسلوب تفكير، أخلاق وطريقة تعامل، جدية وحس بالمسؤولية…
هل هي مشاعر تصاب بها المعلمات مع كل نهاية سنة دراسية؟ أم أن هذه الدفعة حقا -رضية-؟ ومختلفة؟ تصعب الإجابة طالما أن هناك المزيد من الدفعات قادمة 🙂 لكن في المقابل أستطيع القول بأنهم مميزات!
اليوم أخبرت طالبات أحد فصول الصف الرابع بأني سأشتاقهم وسأفتقدهم السنة القادمة وبطريقة طفولية وعفوية جائت طالبة من مكانها رافعة يديها لتحضنني. تدريس رابع بالنسبة لي يعني الكثير والكثير من الأحضان والرسائل والرسومات، حتى ورقة الاختبار لم تسلم من عبارات شكر أو توصيل حب.
دائمًا أقول بأن تدريسهم هو تربية لي! في البداية أجبرت على الأحضان المباغتة من كل مكان، ولابد من اللين والتجاوز وطول البال وإلا لن تسير الأمور إلى خير.. ثلاث سنوات من تعليم رابع غيرتني كثيرًا وتبدل الحال إلى أن أصبحت أنا التي أسعد بأحضانهم < الحضن عندي نقطة حساسة هههههههه

أما دفعة ثانية متوسط، في البداية عزمت على الشدة معهم وذلك لما رأيته منهم عندما كن في الصف الأول متوسط. ثم وبالتدريج وبتوضيح القوانين وتعود كل منا على الآخر أصبحت من أفضل علاقاتي مع الطالبات. قدراتهم مرتفعة واستيعابهم سريع، أستطيع التوسع معهم ودائما كلامنا خارج الدرس طريف، خفيف وممتع. أتمنى لهم مستقبل يليق ببوادر التفوق والتقدم التي أراها جلية عليهم.

التدريس تهذيب للمعلم قبل الطلاب، ودروس قاسية لاكتساب المرونة. كوني معلمة لمرحلتين مختلفتين يعني مواجهة خصائص نمو مختلفة تماما وإن تقاربت أعمارهم لكن الاختلاف كبير. مراعاة الطالبات بظروفهم التي ستنعكس على وجودها داخل الفصل وستظهر في سلوكها. التعامل مع جمهور متعدد ومتنوع ليس بالأمر السهل أبدًا فكيف إذا كنت في ذات الوقت تحرص على زرع قيم معينة أو تقويم أفكار وسلوكيات.

لذا لن أسهب، لكن دفعة 1439-1440هـ كانت مميزة وأحببتهم كثيرًا 🙂


القراءة ببطء

يقول ميلان كونديرا  في رواية البطء:” السرعة هي شكل الانخطاف الذي جعلت منه الثورة التقنية هدية للإنسان.” جميعنا مؤخرًا مع غرقنا في هذه التقنية نستطيع أن نلاحظ بأن كل شيء في الحياة أخذ وتيرة سريعة، تغير تعاملنا مع مفهوم الوقت والانتظار، تضخم إحساسنا بالدقيقة وبالتالي الساعة ثم الأسبوع وهكذا حتى باتت السرعة هي ملخص أيامنا. في اللحظة الواحدة، أصبحنا نقوم بعملين ظنًا منا لتوفير الوقت. سواء أدركنا ذلك أو لم ندرك أصبحنا في عجلة من أمرنا بشكل شبه دائم.

قبل عدة أيام كنت في حديث مع أصدقائي فأخبروني مازحين كعادتهم بأني أستغرق وقتًا طويلاً في مشاهدة الأفلام والمسلسلات أي أني أشاهدها ببطء مبالغ فيه كما يرون وأنا هنا على العكس منهم تمامًا. كنت قد بدأت بمتابعة مسلسل قبل صديقتي بحلقتين وهي الآن انتهت من مشاهدة الموسم السادس بينما أنا للتو بدأت بالموسم الثاني. وفي أثناء ردي عليهم مازحة أيضًا تذكرت أن هناك من سألني قبل ثلاث سنوات بعد متابعة حسابي على موقع Goodreads سألني: لماذا تقرأين عادة ببطء؟ والمقصود بالبطء هنا أني أستغرق وقتًا أطول من المتوقع مقارنة بعدد صفحات الكتاب إذا ما كانت هي المقياس. كنت في تلك الأيام أقرأ رواية الجوع لكنوت هامسون، وعلى الرغم من أن عدد صفحاتها لا يتجاوز 240 إلا أني قرأتها فيما قارب الشهر. أستطيع قراءتها في جلسة واحدة لن أقول خلال يوم واحد بل جلسة واحدة فقط! لكن السؤال لماذا؟

لماذا يجب علينا أن نقرأ سريعًا؟ خصوصًا في القراءات الشخصية الحرة التي لا تخضع لأي مسؤول ولا قوانين سوى أن تفتح الكتاب وتقرأ متى شئت وأينما أردت. لذا من الواضح أن قراءات الدراسة والعمل مستثناة مما سأقوله. لطالما تساءلت لماذا التحريض تجاه ضرورة سرعة القراءة؟ أو الترويج للقراءة السريعة وتأليف العديد من الكتب التي تعلمك تقنيات القراءة سريعًا أو حتى قيام دورات تدريبية لذلك. ما ضرورة كل هذا بينما أنا أقرأ رواية جميلة وأستمتع بتفاصيلها وأعيد بعض الفقرات عدة مرات حتى أعيش جمال ما كتب فيها؟ أعتقد أنني أنتهج القراءة البطيئة إن كان هناك طرق وأساليب القراءة فحتما البطء إسلوبي.

بعد محادثتي تلك مع أصدقائي أخذت أراجع جميع قراءاتي، بالمجمل كانت معظمها تأخذ مدة أطول مما هو متوقع نسبة إلى عدد صفحات الكتاب. إذن النسبة الكبرى من القراء بشكل أو بآخر هم ينصحون بالقراءة السريعة والتي بالضرورة ستجعلنا نلتهم الكتب في فترة أقصر. أنا لا أحرص على هذا، ليس من أهدافي أن أقرأ سريعًا.
دائمًا ينصحون بمضغ الطعام جيدًا أي ببطء أو لنقولها بجملة أخرى: أن نأكل على مهل. وأن لذلك فوائد يستطيع أن يعددها لك فورًا. ربما وسعت أنا هذا البطء ليشمل قراءة الكتب أيضًا. قراءتي باختياري بطيئة كذلك إذا ما دخلت في قراءة جماعية غالبًا ما أكون متأخرة عنهم بيوم أو يومين.
أستطيع أن أزعم أنني بسبب القراءة البطيئة، أنا أتذكر جيدًا، أتذكر المشاعر، التفاصيل، تفاصيل الشخصيات والأماكن مثلًا، أتذكر ردة فعلي، الأثر الذي انعكس على نفسي من الأحداث أو تلك التفاصيل الصغيرة الموجودة بالعمل.

بالمناسبة، رواية البطء لميلان كونديرا اقتنيتها في المقام الأول لعنوانها ثم لما كتب خلف هذه الرواية:
“”ويدعونا الكاتب، وهو يمجد البطء في هذه الرواية، إلى الوعي “بالوشيجة السرية التي تربط البطء بالذاكرة، وتصل السرعة بالنسيان” وفي هذا العالم الذي لا تنفك فيه سرعة كل شيء تتنامى، يرى كونيدرا أننا أضعنا الذاكرة التي تُفضي بنا إلى اللذة وتمكننا من الشعور بالمتعة في عيش الحاضر”” عند قراءتي لهذه الفقرة لم أستطع تجاوز الرواية أبدًا.
ثم وجدته يربط النسيان والتذكر بالسرعة والبطء عندما صورها في مشهد كثيرًا ما نراه في حياتنا الواقعية حيث قال:
” ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان. لنذكر بهذا الصدد، وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمر ما، لكن الذاكرة لا تسعفه. في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو. أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له توًا، على العكس يسرع، لا شعوريا، في مشيته كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريبًا جدًا منه. في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذه التجربة شكل معادلتين أوليتين؛ تقوم الأولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة والثانية على تناسب درجة السرعة من حدة النسيان.”
في المقابل يقول فيليب روث: “قراءة الرواية عمل يتطلب قدرًا من التركيز والتمحور الذاتي والانغماس في القراءة ولو صادف أنك قرأت رواية ما ولم تكملها بعد أكثر من أسبوعين فذاك يعني أنك لم تقرأ فعلًا.”
هنا أيضًا أقف موافقة على رأي فيليب فيما يخص التركيز والتمحور الذاتي والانغماس، تمامًا هذا ما تحتاجه قراءة رواية أن نغرق في عالمها تمامًا. وأوفقه على تحديد مدة أسبوعين في حال أن الرواية تشدك بقوة حتى تنهيها ليس من أجل فكرة السرعة ولكن لتكتشف ما ينتظرك وراء سطورها وشخصيتها. أظن أنني أقرأ تحت مظلة كونديرا وفيليب، جمعت بينهما معًا بطريقة ما أجهلها.
أخيرًا: ليس هناك قواعد وضوابط محددة ومقيدة للقراءة الحرة كما يسوغ لها الكثير. كل ما في الأمر أفتح كتابك وأغرق فيه كيفما شئت حتى تصل إلى أعمق ما فيه ويصبح جزءًا من وقتك تفتقده عندما تنتهي منه.

هل أنا أعرفني؟

اليوم بدأت وانتهيت من مشاهدة مسلسل After life بحلقاته الست وبعيدًا عن القصة وحزن طوني العميق جدًا، كنت ألاحظ مراقبته لحالته النفسية ومدى تطوره والأسباب التي تجعله يتقدم ولو بشكل بطيء نحو نفسية أفضل. كل تغيير حدث له كان سببه بسيط جدًا، إما محادثة عابرة أو رسالة من زوجته المتوفاة. هو شخص لطيف لكنه يظهر خلاف ذلك كردة فعل للألم الكامن فيه وللحزن الذي يعيشه ويسيطر عليه.
من هنا، فكرت في طريقة كتابتي ليومياتي حيث أنني أحاول دائمًا أن أعرف حالتي النفسية وأن أسجلها بطريقة دقيقة ووصفية. كثيرًا ما عدت ليومياتي لأفهم ما الذي أمر به أو منذ متى بدأ؟ أميل كثيرًا للاهتمام بنفسيتي وتقدير أسباب ما أمر به ومعرفة ما الذي قد ينتج عنه والمدة التي قد يستغرقها كل تغير.

في الربع الأول من 2018 كنت أمر بحالة نفسية غريبة، أقول غريبة لأني لم أستطع فهمها، في البداية كنت أواسي نفسي بأن تغير الهرمونات سبب واضح ثم لا! ربما ضغط العمل؟ قلة النوم؟ توتر؟ تشتت؟ كنت أكتب وأكتب أحاول تشريح حالتي النفسية دون أي فائدة. يومياتي كانت مليئة بالتساؤلات هل هو اكتئاب؟ هل أنا أبالغ وأضخم الأمور؟ عشت فترة سيئة وأنا أقاوم شيء لا أعلم ما هو إلى أن قمت بتحليل شامل للفيتامينات والمعادن ثم ظهرت النتائج: نقص حاد في معدل فيتامين د وهو السبب الرئيسي وراء هذه التقلبات في النفسية… كم أنا ممتنة لتسجيلي تجربة النفسية الحادة في يومياتي!
كذلك أسجل في يومياتي الشعور المصاحب لجميع اللحظات التي قد لا تتكرر أو لحظات المرة الأولى أو الأخيرة، لن أنسى ما كتبته ليلة اختباري الأخير في الجامعة. في كل مرة أقرؤه أجده وكأنه كتب الآن، لا أدري كيف أصف ذلك… كما لو أنه نص حي؟

مررت بفترات صعبة في حياتي جعلت نفسيتي في انحدار شديد مع ذلك استمريت وواصلت كتابة يومياتي خلال تلك الأيام، أهم ما كنت أسجله هو شعوري. حتى الآن لم أستطع إعادة قراءتها كغيرها.

وبالحديث على النفسية وفهم ما يسببها وما ينتج عنها كنت قد تناقشت مع صديقتي حول دور الشخصيات الروائية في رفع مستوى الوعي بالنفس البشرية، أعتقد بأنها خدمتني كثيرًا وأضافت لي خصوصا في فهم تصرفات الناس واستيعاب أن لكل نفسية رد فعل منعكس< يمكنني تحوير الفيزياء.
والعامل المشترك بين الروايات المفضلة: الشخصية لديها اعتلال نفسي بطريقة ما، هوس، هواية غريبة، لامبالاة شديدة، صمت هدوء…


على الهامش: بعد ما كتبت آخر كلمة في السطر السابق، تذكرت صديقتي في الثانوية كانت تقول مشاعل ما تعرف كيف تنهي قصصها، ترفعنا فوق وتتركنا وفجأة تسكت! للآن وهذا حالي يا نجلاء.

في معنى أن نكبر

ما زلت أجدني مدهوشة من مرحلة التحديثات التي وصلنا إليها مؤخرًا، وأقصد هنا نحن خريجات الثانوية دفعة 2010م.
وأخص بالدهشة صديقاتي المقربات، وبالتحديد تحديث الأمومة! أتقبل بسهولة كل التغيرات لكن أن تصبح صديقتي أم.. شعور عجيب، جميل وغريب ومحير.
يزداد الوضع -تناحة- إذا كانت صديقتي منذ الصف الخامس أو الصف الأول متوسط، يا إلهي…قد تبدو حالتي غريبة ومضحكة لكنها تتكرر عندما تصلني التحديثات. وأنا اليوم غارقة في شعور الفرحة والمفاجأة والغرابة.

تقاطعنا خلال مرحلة معينة من أعمارنا ولسنوات ثم ها نحن الآن كل واحدة فينا تقطع طريقًا مختلفًا تماما. وهذا الأمر بديهي وطبيعي جدًا إلا أنها تأتيني لحظات أقف فيها متأملة ومتعجبة. ماذا كنّا وكيف أصبحنا.
والعشر سنوات الأخيرة كانت بطبيعة الحال تحمل نقلات كبيرة سواء على مستوى الإدراك والوعي كتجارب كاملة ممزوجة بمشاعر قد تعاش لأول مرة مثلًا: وظيفة، زواج، أمومة، إكمال دراسات عليا، هجرة، سفر وتنقل، خيبة، تراجع، تقدم، رحيل، غياب.
أخص بالذكر العشر سنوات الأخيرة لأني أعتقد بأنها مختلفة عند الجميع دون استثناء. بعد الثانوية ثم الجامعة تبدو الحياة أكثر جدية، الهموم تتبدل والمسؤوليات العظيمة تثبت وجودها. قرأت تغريدة لأحمد العمر يقول فيها: أعرف الطفل الذي كنت أحمله على كتفي وألاعبه في صغره أنه قد كبر ولم يعد طفلًا بعد اليوم عندما يقلق، فالقلق هو الفراق الحتمي بين الإنسان وبين طفولته.
فعلًا، القلق دلالة على أننا لم نعد أطفال، لم تعد الأيام تعبرنا كما كانت..
الليلة، كنت أبحث مع صديقتي عن اسم مناسب لطفلتها الأولى، صديقتي التي أعرفها من الصف الأول متوسط إلى الجامعة وما بعدها وياللغرابة!

في معنى أن نكبر… وأن يصبح شعورنا أثقل وأعمق.

باب مكتبها

أخشى الأفكار التي تنتشر ثم ما تلبث أن تتحول لقاعدة أو شيء بديهي. ومن هذه الأفكار، أكره تلك التي تخبرنا بأننا لن ندرك قيمة الأشخاص/الأشياء إلا إذا *فقدناها*

ولأقاوم الخوف المترتب من هذه الفكرة، أصبحت أحاول جاهدة أن أعرف قدر الذين أحبهم ثم أعيش كل شيء لأقصاه. انعكس هذا سلوكا مع من أحب. أعيش معهم كل يوم وأنا أسعى للاقتراب أكثر، لخلق ذكريات، مواقف، ضحكات…رصيد لا يجعلني أندم لاحقًا أو على الأقل يخفف من الألم. ولا ضرورة لإخبارهم! هذه نظريتي وحدي وأنا من أطبقها بصمت.

واليوم كان الدوام الأخير لفاطمة بيننا في المدرسة.

أعلم أنها ذاهبة لفرصة أفضل وهذا يسعدني جدًا لكن في المقابل أنا حزينة. بطة بالنسبة لي صمام أمان، وقلت لها ذلك ذات مرة لكني لم أخبرها كيف؟ هي أول من أفكر بالذهاب إليه حتى لو لتسمعني فقط. لديها قدرة على تحويل كل شيء إلى أمر غاية في البساطة وسهل تجاوزه. لا أتذكر أني أخبرتها عن أمر ما وعدت بنفس المزاج قبل إخباري لها. فطوم هي أكثر من يعطيني شعور الأمان، نعم سأكرر كتابة هذا مرة أخرى. بمجرد نظرة، تلويحة، ابتسامة من بعيد، ضحكتها، اسلوبها في الكلام، دخولها لغرفتنا، شغبها، يقظتها وذكاؤها الحاد. فطوم شخص معطاء محب للخير بطريقة رهيبة. ربما لم نكن نلتقي خلال الدوام كثيرًا، لكنها دائمًا أذان صاغية لحيرتي. أفهمها من نظرة وأدرك “تسليكها” الاحترافي.

فطوم من أجمل الشخصيات التي صادفتها في حياتي، رَفعت سقف مفهوم وجود الأرواح الجميلة من حولنا. شخصية ملهمة، مبدعة، محفزة ومعطاءة.

من اليوم لن أسرق نظراتي على غرفتها، لن أشاغب عن بعد، لن أفكر كيف أرمي قصاصات الأوراق في حقيبتها ومن سندخله في مقلب بحبكة لا تصمد طويلًا؟

سأفتقدها كثيرًا وأعلم من الآن أني سأشعر بالحزن في كل مرة أرى  باب مكتبها. عندما عدت للبيت أرسلت لها: ما سلمت عليك… أما الآن فأقول الحمدلله أنني لم أسلم عليها كوداع أخير في المدرسة. لا داعي لوضع نقطة آخر السطر وليبقى السطر غير منتهي ولا وداع لفاطمة بمجرد تغير المكان.

على الهامش: كتبت قائمة بكلمات دلالية مرتبطة بك يا فاطمة… ما إن أسمعها إلا ووجهك يظهر في الزاوية 🙂

كل التوفيق في قادم أيامك وأحبك *هيون*

تحدي التدوين

لا أتذكر جيدًا أي الحسابات في تويتر قادني إلى تغريدة تحدي تدوين شهر ابريل. تحمست كثيرًا ودون أي تفكير اشتركت. كان هذا مساء الأحد 31 مارس. وصلتني رسالة بريدية من صاحب الفكرة: عبدالرحمن الخميس. ذكر فيها أننا ما يقارب الـ 60 مشترك! فكرة حسنة 🙂 كنت بحاجة لمثل هذا التحدي.

لا أعلم كيف ستكون طبيعة مشاركاتي لكني وجدتها فرصة لتحقيق رغبة قديمة مستحيلة: نشر يومياتي. لطالما كنت أتمنى أن تكون لدي الشجاعة أو القدرة أو الجرأة على مشاركة يومياتي كما هي دون حذف أو تعديل، تمامًا مثلما كتبتها في دفتر يومياتي. رغم أني أشارك صور لأيامي على حسابي في انستقرام، وقراءتي في تويتر وبعض ما أشاهده إلا أن الأمر يختلف عندما يتعلق بما كتبت في دفتري.

على كل حال، لا فائدة من مشاركتها فهي تبقى يوميات شخصية، والدافع الوحيد لخوض هذه التجربة هو التحدي فقط. لست واثقة من أني سأنقلها كما كتبت ولكن سأحاول مقاومة رهبة نقلها كما هي وإذا قمت بأي تعديل/حذف سأذكر ذلك آخر التدوينة. مع العلم أن معظم يومياتي أكتبها بلهجة عامية أو مختلطة في السطر الواحد أبدأ بلغة فصيحة وأنتهي بعامية أو العكس، كذلك أضيف بعض الجمل باللغة الانجليزية. أيضًا، يمكن لمن يقرأها ملاحظة الفروق في طريقة الكتابة بين الفقرات يعود ذلك إلى أني أكتب مرات عدة وفي أوقات وأحوال مختلفة من اليوم الواحد. هل سأنقلها هنا كما هي؟ لا أعلم أيضًا.

والآن مع يوميات الاثنين 1 ابريل 2019
صباح اليوم كان أقل ثقلًا من صباح الأمس، ابتدا يومي بحصة أولى عند رابع ب لآخر درس في منهج الفصل الدراسي الثاني.
حقيقي الدفعة هذه حبيتهم من جد وأتوقع اني راح أشتاق لهم.
زينب تأخرت ولما كلمتها قالت لي انزلي عند 3ب دقايق على ما هي توصل وتدخل عندهم تكمل الحصة and I did it.
اليوم بدأت مراجعة السور اللي راجعت حفظها أول مع مجموعة بالقران نحيا.
9:30ص أحس رغبتي منشكحة للكتابة.

أريج كلمتني جديًا بخصوص تعليمها قيادة السيارة
كنسلت الموضوع وبلغتها…..

لقيت شخص في تويتر يطبع المقالات ورقيا بعدين يقرأها. يبدأ يحدد عليها ويكتب تعليقاته وأعتقد إنه يجمعها في ملف ويسجل عليها تاريخ القراءة! صراحة مرة حبيت.

جددت اشتراكي في سلسلة إبداعات عالمية، هذه المرة فقط سلسلة وحدة وهي الأجود.
+ جددت اشتراكي في برنامج الحماية كاسبر، اشتريت سنة لجهازين: أنا وماما… online من الموقع، هو أصلًا أرخص يكون سعره ب94 وكان عليه خصم طلع ب85

أشعر بالثقل، لم أدرس لاختبار الغد ولم أنجز تحضير درس الصوت. مر وقتي دون فعل أي شيء.
حبة أذني- اليسار باقي توجعني مرة

درس القياس

مقاومتي للبكاء اليوم 30 يناير 2019- هي الدافع الأول لكتابة هذه الأحرف الركيكة، لكني رغبت في كتابتها.

كتطبيق عملي لدرس القياس في مادة العلوم للصف الرابع، أحضرت للطالبات مجموعة من أدوات القياس ليطبقن أخذ القياسات بشكل سليم وقراءتها وتحديد الوحدة المناسبة لكل قيمة. وهذا يعني أن لهم حرية الحركة في الصف، يمكنني استغلال الوضع لأخبرهن بأن الحصة اليوم عبارة عن لعب!

أحضرت جميع الأدوات المطلوبة وهي بسيطة، ما نحتاجه لقياس الأطوال ومنها إلى المساحات ثم الحجوم وأخيرًا ميزان لقياس الوزن.

في كل الفصول الثلاثة تتحمس الطالبات لجميع القياسات، إلا أنه وفي كل فصل هناك من ثلاث إلى خمس طالبات يخبرنني بأنهن لا يرغبن بقياس وزنهن أو إخبار باقي صديقاتهن، أو أنا وهي فقط من نعرف وزنها لأني أطلب من الطالبة أن تقرأ وزنها بنفسها ثم تسجله في ورقة القياسات.

الرفض، هذا السلوك البسيط ينبئ عن مشكلة حقيقة لطفلة في عمر التسعة أو العشرة سنوات، الفكرة الخلفية لهذا التصرف ليست سهلة إطلاقًا بل ومؤرقة! لماذا لا مانع لديهن من معرفة أطوالهن لكن الحال يختلف مع أوزانهن؟ بدأت أتحدث إلى الجميع بأنكن جميلات بكل تفاصيلكن، جميلات بطبيعتكن وبحالكن وما أنتن عليه! ولابد من أن نختلف هل يعقل أن نكون جميعًا بذات الوزن؟ ما المشكلة في الاختلاف؟ لماذا لسنا بذات الطول لكن علينا أن نكون بذات الوزن؟ أذكرهن بأن الأهم قدرتنا على الحركة واللعب والركض بأريحية…وأن عليكن شكر الله كل يوم على نعمة الصحة التي ترافقكن.

أخيرًا الجميع اقتنع إلا واحدة، لمجرد أني بدأت أتحدث معها، أخذتها إلى جانب الفصل… أخبرتها وبشكل خاص بأن لابد أن تكوني واثقة من نفسك، من شكلك وجمالك، وبأنك رائعة ومدهشة، وأنت طالبة مميزة! ما زلت صغيرة وغدًا ستكبرين ويتغير كل شيء، لست ثابتة حتى الآن، أثناء كلامي بدأت أرى الدموع مجتمعة في عينيها، أدركت أن الموضوع شائك وربما تتعرض لتنمر أو سخرية. في تلك اللحظة حقيقة كنت أتألم من دموعها وتبدل حالها، لست مستوعبة أن هذا يحدث مع طالبات الصف الرابع! يا إلهي.

أخذتها خارج الفصل بينما الجميع غارق في القياسات، عندها أصبحت تبكي ولم يعد الأمر مجرد دموع، ما شعرت به حينها أن قلبي انغمس في معدتي، لا أستطيع وصف لحظة رؤيتي لبكائها، قاومت البكاء بشدة، غصة اعترضت حلقي.. يا الله ما الذي يجرح طفلة فيما يتعلق بوزنها، ولماذا؟

سألتها هل هناك من يؤذيك؟ في المدرسة؟ في المنزل؟ قالت: في المنزل. من؟ الجيران. كيف؟ يقولوا لي يا دبة.

احتضنتها، مسحت دموعها لكن من يمسح ذاكرة الألم بسبب وزنها؟ من يمسح أثر هذه الكلمات العالقة في ذهنها؟ من يمحو حديثها لنفسها؟ من يبدل طريقة حديثها لنفسها بصمت؟ لماذا يمكن أن تتعرض طفلة في أول عمرها لمثل هذه الأفكار؟ لماذا هذه القولبة؟ لماذا لدى أطفالنا القدرة العجيبة على إيذاء الغير؟ أين ثقافة احترام الآخرين؟ ثقافة مراعاة مشاعرهم والابتعاد عما يؤذيهم؟

حاولت حينها أن أهديها، قلت لها لا تسمحي لكائن من كان أن يهز ثقتك بنفسك! مهما كان قوله.. كوني واثقة من نفسك. تذكري هذه الجملة دائمًا. هدأت لكنها لم تغير رفضها لقياس وزنها. احترمت رغبتها رغم أني تمنيت لو أنها كسرت هذه العقدة.

لم أستطع تجاوزها، بقيت معي طوال يومي.. لدي رغبة شديدة في الجلوس معها ومحاولة معرفة مدى تألمها من هذا الموضوع.

أكثر ما أخشاه هذه اللحظات التي يعيشها الطفل في مقتبل عمره، ما هو تأثيرها عليه؟ هل سيتجاوزها أم تبقى ندوبًا غائرة!

أحزن والله.. حزنًا عميقًا لمثل هذا. لن أنسى دموعها، لن أنسى وهي تقضم شفتيها تغالب الدموع لكنها غُلبت. طفلة تبكي من وزنها! وهو بالمناسبة ليس زائدًا للحد الذي يعرضها لهذا الألم والحزن على افتراض أننا نبحث لمسوغ.

شعرت وكأني نكأت جرحًا موغلًا لديها..

ألطف يا الله بها وببنات جيلها ولكل من في عمرها يكبر وتبكر معه أفكار تبقى ترافقه وتحد من ثقته في هذه الحياة.